حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

255

شاهنامه ( الشاهنامه )

وهذه خمسة أيام قد مضت علينا وافقين ؟ فإلى متى نصبر ونقف ؟ وقد قيل . إنه ليس بعد رستم في جميع الإيرانيين بهلوان مثل جوذرز . فما باله قد أحجم ؟ هذا الإحجام ؟ ولا أشك أنه قد جبن ونخب قلبه منذ رجع من الوقعة التي قتل فيها أولاده ، وفصار لذلك يبطئ في اللقاء ولا يجترئ على مكاره الهيجاء . ولا أتعجب منه تعجبي منك إذ أنت صابر على هذه الحالة لا تبارح مكانك ، مع قوّة باسك وشدّة مراسك . فتقدّم ْ وناجِزهم في هذا الصحراء والهواء الطيب قبل هجوم الشتاء وتتابع الأنداء وإلا فأعطني ثلاثين ألف فارس أنتخبهم من العسكر حتى أبدّد شملهم وأفرّق جمعهم . فضحك جيو من كلامه وسُر بما أشعر به من شهامته ، ودل عليه من تسعره في الحرب وتوقده ، وفشكر اللّه تعالى حين أنعم عليه بولد مثله ، وفقال له : لا تنكر على جدّك فإنه أعرف بالأمور وأبصر بعواقب الحروب . وكل من حلب الدهر أشطره ، وذاق حلوه ومره لا يحتاج إلى أن يعرّف المسالك ، ويرشد إلى المناه . وهو يريد بفعله هذا أن يستجر العدوّ حتى يتمكن من ظهره ويدخل عليه أصحابه من ورائه . وأيضا فإنه يراعى أحكام النجوم ويترصد أن نقع الحرب في ساعة سعد . هومان يستأذن بيران في القتال قال ثم جاء هومان من ذلك الجانب إلى بيران وقال له : ما بالنا قد بقينا سبعة أيام تحت السلاح لا نلقى العدوّ وقد أكثب الصيد ؟ فأطلعنا على ما تقصد ، وأخبرنا بما تضمر . فإن كنت على عزم القتال فدونك فأقدم ، وإن كنت هممت بالانخذال فأحجم . فإن الخلق يضحكون مما نحن فيه ، وليس هذا العسكر إلا ذلك العسكر الذين قاتلناهم وقتلناهم حتى كدنا أن نفنيهم . وليس رستم بهلوانهم حتى نفر فيه . فإن كنت تتحرّج من سفك الدماء وتتجنب عن مقابلة الأعداء فمكنى من الأمر حتى أناجزهم . فقال له بيران : خفِّض عليك وعلم أن جوذرز سيد الإيرانيين وأشجعهم وأدهاهم ، وهو موتور منذ فجع بأولاده الذين قتلناهم في تلك الوقعة ، وهو ما دام في جسده عرق يتحرّك فليس يسكن عن الحركة في طلب الثأر . ثم إنه كما تراه وقف بين هذين السدّين ، وليس لنا طريق إلى ما نريد منهم ، والرأي أن نصبر فلعلهم يبدءون بالقتال ويخرجون من المضيق فنحيط بهم من ورائهم ، وعند ذلك يسهل الأمر ويقرب النصر . هومان يستأذن القتال فقال له هومان : إن من عادتك أن تحنو علىّ وتكفّنى من القتال والملاقاة ، ولا بدّ من المبارزة ، وإني إذا كان الغد ركبت وتقدّمت إليهم . فلما أصبح ركب وتقدّم إلى صفوف الإيرانيين فطلب المبارزة فلم يتعرّض له أحد من أمراء إيران ، وقالوا : إن البهلوان لم يأذن لنا ونحن لا نخرج من الصف إلا بأمره . هومان يتحدى جودرز فلما دار على الميمنة والميسرة ولم يتعرّض له أحد أقبل إلى القلب ، وقرب من موقف جوذرز ، وصاح به وقال : أيها البهلوان المقدّم ! إني قد سمعت جميع رسالتك إلى بيران على لسان ولدك جيو ،